عبد الملك الجويني

105

نهاية المطلب في دراية المذهب

فلو فرض شيوع التحريم في الطلاق وفرعنا على أن الصرائح تؤخذ من مأخذ الشرع أيضاً ، فهل ينتهي التفريع إلى كون التحريم صريحاً في البابين ؟ وكيف السبيل في ذلك ؟ هذا فيه نظر يجب الاهتمام به ، ولا يتجه فيه إن أثبتنا المأخذين إلا أمران : أحدهما - أن نسلك مسلك التغليب إذا جرى اللفظ مطلقاً ، ونعتقد أن الطلاق أغلب مثلاً لوجوه لا تكاد تخفى ، واللفظ يطابق المعنى إذا كان طلاقاً ؛ فإن الطلاق يحرم النفس ، والتحريمُ الموجب للكفارة لا يحرم النفس . هذا مسلكٌ . وإن انقدح للفقيه استواء الوجهين ، فلا مطمع في تحصيل معنيين بلفظ واحدٍ ، هذا ما لا سبيل إليه وإن جرّد القاصد قصده إليهما جميعاً ؛ لأن اللفظ الواحد لا يصلح لمعنيين جميعاً إذا لم يوضع في وضع اللسان للجمع ، فلا يتجه إذاً إن لم ينقدح وجهٌ في الترجيح إلا أنه يخرج عن كونه صريحاً في البابين جميعاً ، لتعارض العرف والشرع ، واستحالة الجمع ، وامتناع تخصيص أحد الجانبين ، فلا [ يعمل ] ( 1 ) اللفظ إذاً في أحد المعنيين إلا بالقصد . هذا منتهى النظر . 9033 - ومن لطيف الكلام في هذا أن الصريح [ الذي هو ] ( 2 ) على الدّرجة العليا . كالطلاق ، فإنه لا يُعدَل عن ظاهره إلا على مسلك التديين ، ويلتحق الظهار به أيضاً لاستوائهما في الجريان في الجاهلية والإسلام ، وكل ما يلتحق بالصرائح لعموم عرفٍ متجدّدٍ - فالعرف لا ثبات له - فقد يعرض استعقاب العرف عرفاً آخر ، وقد مهدنا في قاعدة الصرائح أن من الألفاظ ما يعمل مطلَقُه ، وتنصرف النية فيه ، وهذا من ذاك ، فالتحريم إذا شاع على الحدّ الذي نعهده ، فلا يكاد يبلغ مبلغ شيوع الطلاق في كل زمانٍ ومكانٍ ، ولا يعد مستعمل التحريم في غير مقصود الطلاق آتياَّ بَشاذًّ نادرٍ ، بخلاف من يستعمل الطلاق ويبغي غير معناه ، ومن أحاط بهذه المرتبة من الصرائح ، بنى عليه ما ذكرناه ، من أن التحريم وإن كان صريحاً في اقتضاء الكفارة ، فيصير طلاقاً بالنية .

--> ( 1 ) في الأصل : يعلم . والمثبت تصرف من المحقق . ( 2 ) في الأصل : الصريح ( النهوُ ) على الدرجة العليا ( بهذا الرسم تماماً ) .